الشيخ محمد رشيد رضا

188

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ) ومعلوم أن فسق الكثير من أهل الكتاب عن هداية كتبهم ، ودخول نزغات الوثنية والشرك عليهم ، لم يسلبهم امتيازهم في كتاب اللّه على المشركين وعدهم صنفا آخر ، كما أن فسق الكثيرين من المسلمين عن هداية القرآن ودخول نزغات الوثنية في عقائدهم لا يخرجهم من الصنف الذين يطلق عليه لفظ المسلمين ولفظ المؤمنين وان كانوا هم الذين يعنيهم الخطباء على المنابر بقولهم « لم يبق من الاسلام الا اسمه » ويطبق العلماء عليهم حديث الصحيحين « لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع » قالوا يا رسول اللّه اليهود والنصارى ؟ قال « فمن ؟ » وبهذا يرد قول من حاولوا ادخال أهل الكتاب في المشركين وتحريم التزوج بنسائهم مستدلين بقوله تعالى بعد ذكر اتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون اللّه ( 9 : 31 سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) فان إطلاق اللقب على صنف من أصناف الناس لا يقتضي مشاركة صنف آخر له فيه إن أسند اليه مثل فعله كما بيناه في تفسير آية ( 2 : 221 وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ ) لا سيما إذا كان الفعل الذي أسند إلى الصنف الآخر ليس هو أخص صفاته وليس عاما شاملا لافراده كاتخاذ أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم أربابا يتبعونهم فيما يحلون لهم ويحرمون عليهم ، فان وصفهم الأخص اتباع الكتاب ، وان كثيرين منهم يخالفون رؤساءهم في التحليل والتحريم ومنهم الموحدون كأصحاب آريوس عند النصارى وقد كثر في هذا الزمان فيهم الموحدون القائلون بنبوة المسيح بسبب الحرية في أوربة وأمريكة ، وكانوا قلوا باضطهاد الكنيسة لهم والظاهر أن القرآن ذكر من أهل الملل القديمة الصابئين والمجوس ولم يذكر البراهمة والبوذيين وأتباع كنفوشيوس لأن الصابئين والمجوس كانوا معروفين عند العرب الذين خوطبوا بالقرآن أولا لمجاورتهم لهم في العراق والبحرين ولم يكونوا يرحلون إلى الهند واليابان والصين فيعرفوا الآخرين ، والمقصود من الآية حاصل بذكر من ذكر من الملل المعروفة فلا حاجة إلى الإغراب بذكر من لا يعرفه المخاطبون في عصر التنزيل من أهل الملل الأخرى ، ولا يخفى على المخاطبين بعد ذلك ان اللّه يفصل بين البراهمة والبوذيين وغيرهم أيضا